أبي منصور الماتريدي

541

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إحداها : أن القدرة لا تفارق الفعل ، حيث قال : عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ثم قال : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ جعل مقابل الفعل القدرة ، فلو كانت تفارق الفعل لكان ذكر مقابل القدرة [ قدرة ] « 1 » مثلها ، أو مقابل الفعل فعلا مثله ، فلما ذكر مقابل القدرة الفعل دل أنها لا تفارق الفعل ، وفيه أن العبد لا يملك حقيقة الملك ، حيث ذكر عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ، وإن قدر [ على ] ما يملك إنما يملك بإذن من له الملك ، وكذلك الخلائق كلهم لا يملكون حقيقة الإملاك ، إنما حقيقة الملك في الأشياء لله وإن قدر [ وا على ] « 2 » ما يملكون إنما يملكون بالإذن على قدر ما أذن لهم . وفيه أن العبد لا يملك الإنفاق والتصدق ، حيث قال : عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ثم قال فيمن يملك : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ دل أنه لا يملك العبد الإنفاق والهبة . وقوله - عزّ وجل - : هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال بعضهم : ذكر الحمد لله على إثر ما ذكر ؛ لأنه عرّف رسوله النعم وأنواع المنافع ، ثم عرفه على إثر [ ذلك ] « 3 » الحمد لله . وقال بعضهم : الحمد لله ثناء ، أخبر أن أكثرهم لا يعلمون حمد الله وثناءه . وقوله : وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً أي : من أوليائنا ، أو من أولياء ديننا ، وذلك جائز سائغ في اللغة ، ثم قوله : لا يَعْلَمُونَ يحتمل نفي العلم عنهم لما لم ينتفعوا بما علموا ، أو على حقيقة النفي لما لم ينظروا في الآيات والحجج ، ولم يتأملوا فيها فلم يعلموا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ . . . إلى آخر الآية . قالوا : هذا المثل كالأوّل ، يحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في الأوّل . أحدهما : المؤمن والكافر ، شبه الكافر بالمملوك الأبكم الذي لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه ، لا يأتي المولى بخير ، ولا ينتفع به ، وشبه المؤمن بالذي يأتي المولى بكل خير ونفع ، يقول : هل استوى هذا مع هذا عندكم ؟ لا يستوي ، فعلى ذلك لا يستوي الكافر الذي لا يعمل شيئا من طاعة الله ، ولا يأتي بخير والمؤمن الذي يعمل كل طاعة الله ، ويأتي بكل خير ، ويأمر بكل عدل .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في أ .